الجصاص

471

أحكام القرآن

فإن قيل : الصغيرة قد تجب عدتها بالشهور فإن حاضت قيل انقضائها وجب الحيض ، وكذلك ذات الحيص لو اعتدت بحيضة ثم يئست وجبت الشهور مع الحيضة المتقدمة . قيل له : إذا طرأ عليها ما ذكرت قبل انقضاء العدة خرج ما تقدم من أن يكون عدة معتدا به ، وأنت لا تخرج ما غسل من أن يكون طهارة ، وكذلك التيمم . ودليل آخر في المسألة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : " التراب طهور المسلم ما لم يجد الماء " ، والدلالة من هذا قوله : " ما لم يجد الماء " فأدخل عليها الألف واللام ، وذلك لأحد وجهين : إما أن تكون لاستغراق الجنس أو المعهود ، فإن كان أراد به استغراق الجنس صار في التقدير كأنه قال : التراب طهور ما لم يجد مياه الدنيا ، وإن كان أراد به المعهود فهو قولنا أيضا ، لأنه ليس ههنا ماء معهود يجوز أن ينصرف الكلام إليه غير الماء الذي يقع به كمال الطهارة ، وذلك لم يوجد في مسألتنا ، فجاز تيممه بظاهر الخبر . مطلب : في حكم من صلى ونسي الماء في رحله واختلفوا في العلم بكون الماء في رحله هل هو شرط في الوجود أم لا ، فقال أبو حنيفة ومحمد : " إذا نسي الماء في رحله وهو مسافر فتيمم وصلى أجزأه ولا يعيد في الوقت ولا بعده " . وقال مالك : " يعيد في الوقت ولا يعيد بعده " . وقال أبو يوسف والشافعي : " يعيد في الأحوال كلها " . والأصل فيه قوله تعالى : ( فلم تجدوا ماء فتيمموا ) والناسي غير واجد لما هو ناس له ، إذ لا سبيل له إلى الوصول إلى استعماله ، فهو بمنزلة من لا ماء في رحله ولا بحضرته ، وقال الله : ( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) [ البقرة : 286 ] فاقتضى ذلك سقوط حكم المنسي . وأيضا قال الله تعالى : ( فاغسلوا وجوهكم ) ومعلوم أن هذا الخطاب لم يتوجه إلى الناسي ، لأن تكليف الناسي لا يصح ، وإذا لم يكن مأمورا مكلفا بالغسل فهو مأمور بالتيمم لا محالة ، لأنه لا يجوز سقوطهما جميعا عنه مع الإمكان ، فثبت جواز تيممه . وأيضا لا يختلفون أنه لو كان في مفازة وطلب الماء فلم يجده فتيمم وصلى ثم علم أنه كان هناك بئر مغطى الرأس لم تجب عليه الإعادة ، ووجود الماء لا يختلف حكمه بأن يكون مالكه أو في نهر أو في بئر ، فلما كان جهله بماء البئر مخرجه من حكم الوجود كذلك جهله بالماء الذي في رحله . فإن قيل : لو نسي الطهارة أو الصلاة لم يسقطهما النسيان ، فكذلك نسيان الماء . قيل له : ظاهر قوله صلى الله عليه وسلم : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان " يقتضي سقوطه ، وكذلك نقول ، والذي ألزمناه عند الذكر هو فرض آخر غير الأول ، وأما الأول فقد سقط ، وإنما ألزمنا الناسي فعل الصلاة وألزمناه الطهارة المنسية بدلالة أخرى ، وإلا فالنسيان يسقط عنه